أحمد بن علي القلقشندي

241

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

تتبين أحوال الألفاظ المركَّبة في دلالتها على المقاصد ، ويرتفع اللَّبس عن سامعها فيرجع من فهمها بالصّلة والعائد ؛ فلو أتى المتكلَّم في لفظه بأجلّ معنى ولحن لذهبت حلاوته ، وزالت طلاوته ، وعيب على قائله وتغيرت دلالته ، وقد كانت الخلفاء تحثّ على النّحو وترشد إليه ، وتحذر اللَّحن وتعاقب عليه : وإذا طلبت من العلوم أجلها فأجلَّها عندي مقيم الألسن ! فبينما هو كذلك إذ برزت « علوم المعاني والبيان والبديع » جملة ، وحملت عليه بصدق العزم في اللَّقاء حملة ، وقالت : جعجعة رحا من غير طحن ، وتصويت رعد من غير مزن ؛ لقد أتيت بغير معرب ، وأعربت عن لحن ليس بمطرب ، الحقّ أبلج ، والباطل لجلج ؛ إنّ الفوز لقدحنا ، والوري لقد حنا ؛ نحن لبّ العربيّة وخلاصتها ، والمعترف لنا بالفضل عامّتها وخاصّتها ؛ وهل أنت إلا شيء جرى عليك الاصطلاح ، وساعدك الاستعمال فأمنت الاطَّراح ؛ فلو اصطلح على نصب الفاعل ورفع المفعول لم يخلّ بالتّفاهم في المقاصد ، وها كلام العامّة لذلك أقوم دليل وأعظم شاهد . فقال « علم الشعر » : أراكم قد نسيتم فضلي الذي به فضلتم ، وصرمتم حبلي الذي من أجله وصلتم ؛ أنا حجّة الأدب ، وديوان العرب ؛ عليّ تردون ، وعنّي تصدرون ؛ وإليّ تنتسبون ، وبي تشتهرون ، مع ما اشتملت عليه من المدح الذي كم رفع وضعا ، وجلب نفعا ، ووصل قطعا ، وجبر صدعا ؛ والهجو الذي كم حطَّ قدرا ، وأخمد ذكرا ، وجعل بين الرّفيع والوضيع في حطيطة القدر نسبا وصهرا ؛ إلى غير ذلك من أنواعي الشّعرية التي شاع ذكرها ، وأضواعي العطرية التي فاح نشرها ؛ بل لا يكاد علم من العلوم الأدبيّة يستغني عن شواهدي ، ولا يخرج في أصوله عن قوانيني وقواعدي ، حتّى « علم النّثر » الذي هو شقيقي في النّسب ، وعديلي في لسان العرب ، لم يزل أهله يتطفّلون عليّ في بيت يحلَّونه ، ويقفون من بديع محاسني عند حدّ لا يتعدّونه .